الشنقيطي
218
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ولم يقل له يا بني في مقابلة قوله له يا أبت . وأنكر عليه أنه راغب عن عبادة الأوثان أي معرض عنها لا يريدها ؛ لأنه لا يعيد إلا اللّه وحده جل وعلا . وهدده جل وعلا . وهدده بأنه إن لم ينته عما يقوله له ليرجمنه ( قيل بالحجارة وقيل باللسان شتما ) والأول أظهر . ثم أمره بهجره مليا أي زمانا طويلا ، ثم بين أن إبراهيم قابل أيضا جوابه العنيف بغاية الرفق واللين في قوله : قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي الآية . وخطاب إبراهيم لأبيه الجاهل بقوله سَلامٌ عَلَيْكَ قد بين جل وعلا أنه خطاب عباده المؤمنين للجهال إذا خاطبوهم ، كما قال تعالى : وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ( 63 ) [ الفرقان : 63 ] ، وقال تعالى : وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ ( 55 ) [ القصص : 55 ] وما ذكره تعالى هنا من أن إبراهيم لما أقنع أباه بالحجة القاطعة ، قابله أبوه بالعنف والشدة - بين في مواضع أخر أنه هو عادة الكفار المتعصبين لأصنامهم ، كلما أفحموا بالحجة القاطعة لجؤوا إلى استعمال القوة ، كقوله تعالى عن إبراهيم لما قال له الكفار عن أصنامهم : لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ ( 65 ) [ الأنبياء : 65 ] قال أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 67 ) [ الأنبياء : 67 ] فلما أفحمهم بهذه الحجة لجؤوا إلى القوة ، كما قال تعالى عنهم : قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 68 ) [ الأنبياء : 68 ] . ونظيره قوله تعالى عن قوم إبراهيم : فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ [ العنكبوت : 24 ] الآية ، وقوله عن قوم لوط لما أفحمهم بالحجة : * فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ [ النمل : 56 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . وقوله : سَلامٌ عَلَيْكَ يعني لا ينالك مني أذى ولا مكروه ، بل ستسلم مني فلا أوذيك . وقوله : سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي وعد من إبراهيم لأبيه باستغفاره له ، وقد وفى بذلك الوعد ، كما قال تعالى عنه : وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ ( 86 ) [ الشعراء : 86 ] ، وكما قال تعالى عنه : رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ ( 41 ) [ إبراهيم : 41 ] . ولكن اللّه بين له أنه عدو للّه تبرأ منه ، ولم يستغفر له بعد ذلك ، كما قال تعالى : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ( 114 ) [ التوبة : 114 ] ، وقد قال تعالى : وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ [ التوبة : 114 ] والموعدة المذكورة هي قوله هنا سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي الآية . ولما اقتدى المؤمنون بإبراهيم فاستغفروا لموتاهم المشركين ، واستغفر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لعمه أبي طالب - أنزل اللّه فيهم ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 113 ) [ التوبة : 113 ] . ثم قال : وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ الآية . وبين في سورة « الممتحنة » أن الاستغفار للمشركين مستثنى من الإسوة بإبراهيم ، والإسوة الاقتداء ،